لماذا ينجح ابناؤنا في الخارج؟

بقلم : د‏.‏ محمود الجريدلي
دكتوراه في الادب العربي

ما من مصري الا وغمرته الفرحه‏,‏ بل ملات عيونه دموع النشوه والاعتزاز بالنفس‏,‏ لدي سماعه نبا حصول ابن مصر البار احمد زويل علي جائزه نوبل‏.‏ الا ان الحريص علي هذا الوطن الخصب‏,‏ المنجب للافذاذ علي مر التاريخ‏,‏ بعد تلك النوبه من الغبطه والفرح‏,‏ ليعجب من ذلك الوضع الغريب الذي لايتناسب والحقيقه التاريخيه للحضاره المصريه‏.‏ اذ كيف ولماذا ينجح ابناء هذا البلد في الخارج‏.‏ منذ نيف وخمسين عاما‏,‏ بينما لم تتفجر مثل هذه القدرات الخلاقه والمبدعه داخل الوطن‏!‏؟
لماذا نجح مشرفه و محمد مرسي احمدو احمد رياض تركيو خليل عبدالخالق ونجيب محفوظ‏(‏ استاذ التوليد‏),‏ وغيرهم ممن برعوا علي المستوي العالمي في النصف الاول من هذا القرن وهم يعملون داخل مؤسسات الوطن العلميه‏,‏ في حين لم تستطع الكفاءات العلميه داخل الوطن البروز علي نفس المستوي في النصف الثاني من القرن من خلال وظائفها العلميه‏!‏؟
هذا الوضع المثير للتساؤل والاستغراب لاحظه الدكتور زويل واشار اليه في اخر زياره له للوطن‏,‏ فنبهنا في حنو وشفقه علينا الي عدم ظهور اي بحث علمي مصري له قيمه كبيره علي المستوي العالمي في الخمسين عاما الماضيه‏.‏ وما اوضحه لنا الدكتور زويل في رفق وحنان وحب حقيقي‏,‏ هو مؤشر جد خطير‏,‏ انه ناقوس الخطر قرعه لنا لينبهنا‏,‏ وعلينا الاسراع الي التلبيه والنهوض بكل اليقظه‏,‏ لو كناحقيقه نحب هذا البلد‏.‏ لنتدارس بجديه ونبحث اين يقع الخلل في هذا الموقف الذي يدين المجتمع؟
هل السبب كامن في عقم الوطن‏,‏ فلم يعد يعطي ابناء قادرين علي مواصله الانجازات العلميه؟ الاجابه بالنفي بلاشك‏,‏ فالواقع الذي نعيشه يرينا ان هذه الارض القويه التي انجبت في الماضي النوابغ‏,‏ هي نفسها التي تنجب الان نفس النوابغ التي برعت ومازالت تبرع في الخارج‏.‏
اما ان المتسبب في هذا الخلل هو ذلك المجتمع الذي لم يعد مهيا لاحتضان القدرات العلميه ورعايتها حتي تثمر ماهو مامول منها؟ وان كان الامر كذلك‏,‏ فلم تحول المجتمع ولم يعد يؤدي وظيفته الطبيعيه في احتضان الكفاءات العلميه الواعده؟ وماهي الاسباب التي ادت الي هذا التحول اللا طبيعي؟
ان فوز زويل بنوبل‏,‏ هو فرصه مواتيه‏,‏ بل هو الفرصه الحقيقيه الوحيده التي يمكن من خلالها التنبيه والتنبه لاصلاح مسارنا العلمي‏,‏ لان المستقبل القريب لن يقبل علي الاطلاق ان يوجد فيه الا من كان علي علم ومعرفه‏,‏ وهذه حقيقه مؤكده يعرفها الجميع ولاتخفي علي اي انسان له حظ ولو قل من المعرفه‏.‏
ان مجرد الحديث عن المستقبل دون سعي جاد لامتلاك مقوماته العلميه‏,‏ لن يسمن ولن يغني من جوع‏.‏ والمقبول الان هو التحرك الواعي النشيط المبني علي القراءه العلميه للواقع‏,‏ من اجل تسخير الجهود الممكنه الي السبل الكفيله باصلاح اي خلل يعوق التقدم العلمي‏,‏ ولا اظن ان تشخيص العلل المتسببه في اعاقه التطور العلمي عصيه علي المتخصصين‏,‏ كما ان وصف العلاج الصحيح هو في متناول ايدي ذوي العقول والضمائر السليمه‏.‏
لنتساند سويا في جعل الجهود التي تبذلها الدوله لاقامه مجتمع علمي حقيقه ملموسه ومؤثره داخل نسيج المجتمع يستشعرها الافراد‏,‏ واعتقد جازما انه لايوجد هناك استثمار من اي نوع يمكن ان يكون مردوده اعلي واغلي من الاستثمار في العلم‏.‏


الأهرام : 9 ديسمبر 1999 م ‏1 من رمضان 1420 هـ